المحكمة الأوروبية تصفع إسبانيا بدل المغرب

14 أكتوبر 2021 - 12:15 ص

كانت هذه السنة حافلة بالأحداث المتسارعة على المستوى العالمي، وقد كان للمغرب من ذلك نصيب، فقد شهدت علاقاته بمحيطه عدة تجاذبات، وخصوصا مع جيرانه من الجهة الشمالية، فبعد الأزمة الألمانية التي ما زالت قائمة إلى الآن، دخل المغرب في أزمة مفتوحة مع إسبانيا، وهي التي تسير في طريقها إلى الحل ببطء وحذر شديدين، ثم هناك أخيرا، أزمة تلوح في الأفق مع فرنسا ولو بدرجة أقل.

واليوم، صدر حكم ابتدائي من محكمة العدل الأوروبية في لوكسمبورغ، يقضي بإلغاء العمل باتفاقيتين تجاريتين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، على أساس أنهما تشملان منتجات قادمة من الصحراء بناء على طعون قدمتها جبهة البوليساريو الانفصالية، لكن المغرب والاتحاد الأوروبي، أكدا، بعد ذلك بدقائق، في تصريح مشترك، على التزامهما بمواصلة شراكتهما التجارية، و((اتخاذ الإجراءات الضرورية من أجل تأمين الإطار القانوني الذي يضمن استمرارية واستقرار العلاقات بينهما))، إلا أن الخاسر الأول من قرار إلغاء الاتفاقية، هو إسبانيا دائما، ففور إعلان القرار، سادت مخاوف في الأوساط السياسية والاقتصادية الإسبانية على قطاع الصيد البحري، الذي سيكون أكبر قطاع متضرر، إذ بموجب قرار المحكمة، سيكون ممنوعا على مراكب الأسطول البحري الإسباني الصيد في المياه المغربية، علما أن اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي يسمح لـ 128 سفينة أوروبية بالصيد في المياه المغربية، منها 93 سفينة صيد إسبانية.

أعد الملف: سعد الحمري

في تفاعل مباشر مع الحكم الابتدائي، نقلت صحيفة “إل باييس” عن توماس باتشيكو، رئيس مالكي السفن في منطقة بارباتي الإسبانية، قوله أن ((حكم المحكمة الأوروبية مشكلة كبيرة للقطاع))، وأضاف: “في الوقت الذي بدأنا نتعافى فيه من أزمة استقبال زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، في إسبانيا، يأتي حكم المحكمة الأوروبية)).

وبعد ذلك، توالت ردود الفعل القلقة داخل الحكومة الإسبانية، فقد أعربت الحكومة المستقلة لجهة الأندلس عن “بالغ قلقها” من قرار المحكمة الأوروبية الابتدائي، حيث أكد رئيس السلطة التنفيذية الإقليمية للأندلس، خوان مانويل مورينو، في تصريحات للصحافة، أن ((قرار المحكمة الأوروبية شكل مصدر قلق كبير بالنسبة لنا))، وأشار المسؤول الجهوي الإسباني إلى أن ((جزء كبيرا من صيادي الأسماك لدينا يصطادون في المغرب))، و((في الأندلس كل ما يتعلق بالاتفاقيات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، يؤثر علينا بشكل مباشر وعميق))، كما أعرب مانويل مورينو، عن أمله في أن ((تؤخذ مصالح جهة الأندلس في مجال الصيد البحري بعين الاعتبار ضمن جميع القرارات التي ستعتمدها الحكومة الإسبانية داخل الاتحاد الأوروبي)).

لذلك، يروم هذا الملف تقديم قراءة تاريخية لأبرز محطات تأثير وضغط إسبانيا على الاتحاد الأوروبي، وأحيانا على المغرب، من أجل تجديد اتفاقية الصيد البحري مع المملكة، على اعتبار أنها مسألة حيوية بالنسبة للاقتصاد الإسباني.

عندما تسبب رفض المغرب تجديد اتفاقية الصيد البحري مع إسبانيا في أخطر أزمة بين البلدين

دائما ما يكتسي ملف الصيد البحري أهمية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، فمدريد تعتبره ملفا أساسيا، لكونه يوفر مناصب شغل مهمة، خصوصا في أقاليم الأندلس وغاليسيا وجزر الخالدات، المرتبطة بصفة مباشرة أو غير مباشرة بالصيد في المياه الإقليمية المغربية، لذلك كان هذا الملف يدخل في صلب عملية شد الحبل بين البلدين على مر المراحل، ولعل أبرز المحطات في هذا المسلسل، هو ما حدث خلال بداية عهد الملك محمد السادس ونهاية الولاية الأولى للحكومة اليمينية لخوسي ماريا أثنار، أشهر رئيس حكومة إسباني.

كان المغرب قد وقع مع الاتحاد الأوروبي اتفاقية الصيد البحري عام 1995، لمدة أربع سنوات، يومها كان المغرب عازما على أن تكون هذه الاتفاقية آخر اتفاقية تجمعه مع الاتحاد الأوروبي في هذا الباب، وعندما شارفت الأربع سنوات على الانتهاء، بدأت الدبلوماسية الإسبانية تركض ضد الساعة، من أجل محاولة تجديد الاتفاق، غير أن تصريح الوزير الأول المغربي آنذاك، عبد الرحمان اليوسفي، في مدريد، خلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، أثبت بوضوح أن المغرب لا يريد التجديد عندما قال: ((لقد نبه المغرب عام 1995، إلى أنه لن يجدد اتفاقية الصيد البحري، ولم أفهم كيف أن الصيادين يرفعون صوتهم عاليا كوسيلة للضغط على حكومتهم على بعد سبعة أشهر من انتهاء صلاحية الاتفاقية)).. ليبدأ الضغط الأوروبي، المساند لإسبانيا، على المغرب، حيث أن الاتحاد الأوروبي لم يخصص في ميزانيته لعام 2000، الجزء المالي الخاص باتفاقية الصيد البحري مع المغرب، وهذا الإجراء أغضب الدبلوماسيين الإسبان، الذين ضغطوا من أجل تخصيص ميزانية للاتفاقية المحتملة، ورغم ذلك، تعددت اللقاءات بين الدبلوماسيين المغاربة والإسبان خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت وفاة الحسن الثاني، من أجل تجديد اتفاقية الصيد البحري، ومن بينها ما حصل خلال زيارة الملك خوان كارلوس للمغرب، بمناسبة حضور احتفالات الملك الحسن الثاني بعيد ميلاده السبعين، حيث أعد التهامي الخياري، وزير الصيد البحري، عرضا حول اتفاقية جديدة، وسلمه للملك الإسباني عندما كان مغادرا المغرب، غير أن هذا العرض أحبط العاهل خوان كارلوس لدرجة أنه لم يسلمه أبدا إلى الوزير الأول خوسي ماريا أثنار.

ورغم ذلك، استمرت المحاولات الإسبانية من أجل تجديد الاتفاقية، حيث زار خيسوس بيسادا، وزير الصيد البحري في حكومة أثنار، المغرب، يومي 13 و14 يوليوز 1999، وقد تمكن هذه المرة من انتزاع بعض الضمانات من أجل الدخول في مفاوضات كان يدرك أنها ستكون طويلة وشاقة، إذ كان يتوقع أن تتحرك الأمور بعد فصل الصيف، وتوقع المسؤولون المغاربة طرح الموضوع ببروكسيل حتى يضمنوا خطا للرجعة، لكن الوفاة المفاجئة للملك الحسن الثاني، قلبت المعطيات رأسا على عقب، وأدخلت المغرب في عهد جديد.

وخلال جنازة الملك الحسن الثاني، جاء رئيس الحكومة الإسبانية ماريا أثنار، مع الوفود من أجل تقديم التعازي، وكان يضع نصب عينيه تجديد اتفاقية الصيد البحري، لكن اللحظة لم تكن مناسبة للخوض في أي قضية سياسية.

يحكي وزير الخارجية المغربي السابق، محمد بنعيسى، عن هذه الواقعة التي كان حاضرا فيها قائلا: ((في يوم جنازة جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، وخلال مراسيم الدفن، أمرني جلالة الملك محمد السادس بالوقوف مع الضيوف الأجانب، وكان هناك عدد كبير منهم جاؤوا من مختلف ربوع العالم، وفجأة أحسست بيد توضع على كتفي، وعندما استدرت، وجدته الملك خوان كارلوس، الذي خاطبني قائلا: بنعيسى، هل يمكن أن تسدي لي معروفا؟ فقلت له: بطبيعة الحال يا صاحب الجلالة، فقال لي: هل يمكنك أن تتدبر تحديد موعد لأثنار مع جلالة الملك محمد السادس، فقلت له: سأحاول تدبر الأمر، فالآن تمر مراسيم الجنازة، وربما الظرف غير ملائم، ثم قال لي: تقوم بذلك عندما تستطيع. وفعلا، بعد مرور مراسيم الجنازة، عرضت الأمر على صاحب الجلالة، الذي أذن بمجيئه، وعلى إثر ذلك حددنا موعدا يومي 16 و17 غشت 1999، ليزور أثنار المغرب، وأخبرنا الجانب الإسباني عن طريق وزير الخارجية، أبيل متوتيس، الذي كان صديقا لي، وأعلمني بدوره لاحقا أن أثنار سيحل بالمغرب عبر طائرة تقل وفدا من الصحافيين، وخلال تلك الزيارة، حظي أثنار بحفاوة الاستقبال واجتمع مع جلالة الملك بعد الظهر، لكن بدا من موقف أثنار وجلسته وعرضه، نوع من التعالي)) (المصدر: كتاب “الجوار الحذر”).

وهكذا، كان أثنار أول رئيس دولة أجنبية يزور المغرب في العهد الجديد، والتقى الملك محمد السادس الذي كان مازال في حداد على والده، وحمل أثناء الزيارة شيكا بـ 50 مليون دولار لاستكمال الطريق بين طنجة والحسيمة، واقترح إعادة جدولة بعض الديون، وكان إصراره قويا على العودة بجواب قاطع على تجديد اتفاقية الصيد البحري، وهو ما لم يتم تقبله في المغرب ضمن السياق الذي تلا وفاة الملك الحسن الثاني.

اعتبرت شخصيات من المحيط الملكي وقتها، أن اللقاء الأول بين الطرفين، كان حاسما في تحديد المسار الذي اتخذته العلاقات الثنائية بين البلدين، فالخشونة والاستعجال من جانب خوسي ماريا أثنار والرؤية التي نظر إليها الإسبان كنوع من اللامبالاة من الجانب المغربي في حل قضية الصيد البحري، دفعت رئيس الحكومة الإسبانية إلى التصلب في مواقفه، خصوصا وأن الأحداث التي وقعت بعد ذلك، باعدت كثيرا في المواقف وأدخلت الجارين في متاهة من الأزمات.

وقد كانت أول محطة من التباعد، ترجمتها الزيارة التي قام بها خوسي ماريا أثنار إلى مدينة سبتة المحتلة في 9 يناير 2000، وأعطى مجموعة من التصريحات التي استفزت المغاربة بقوله: ((إن سبتة مدينة إسبانية))، بينما عبر المغرب عن انزعاجه من ذلك، بقرار يقضي بتأجيل مفاوضات الصيد البحري إلى دراسة البرلمان المغربي للخطوط العريضة للاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما تصادف مع الأجواء الانتخابية التي كان يحضر لها خوسي ماريا أثنار استعدادا لاستحقاق 12 مارس 2000 من أجل الظفر بأغلبية مريحة في البرلمان، ذلك أن فشله في انتزاع اتفاق بشأن الصيد البحري مع المغرب، يعد فشلا سياسيا سيدفع ثمنه عبر خسارة أصوات الصيادين في أقاليم الأندلس وغاليسا وجزر الخالدات.

وفي نفس الوقت، كان تركيز المغرب على الملفات الاقتصادية الأكثر استعجالية بالنسبة إليه، مثل حصص الصادرات الفلاحية، واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي كان ينتظر دخولها حيز التنفيذ في مارس 2000، وهو ما جلب على المغرب غضب الفلاحين الإسبان الذين يشتكون دائما من عدم احترام الرباط لحصة تسعين ألف طن المحددة، مما يضر بمصالحهم بالغ الضرر.

وهكذا دخلت المملكتان المغربية والإيبيرية، في أخطر أزمة، بسبب رفض المغرب توقيع اتفاقية الصيد البحري، الأمر الذي أدى فيما بعد مع تراكم المشاكل والصراعات إلى مواجهة عسكرية في جزيرة ليلى سنة 2002.

خوان كارلوس رفقة أثنار
هدية المغرب للعاهل الإسباني فيليبي السادس هي التوقيع على تجديد اتفاقية الصيد البحري سنة 2014

لا تنتهي مشاكل اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.. فقد وقع الطرفان سنة 2007، على اتفاق كان مصحوبا ببروتوكول يحدد مجموعة من الالتزامات بين الطرفين، منها عدد البواخر المسموح لها بالصيد في المياه المغربية، إذ يتيح لـ 119 باخرة أوروبية الصيد في المياه الإقليمية المغربية، كما أن البروتوكول، أقر للمغرب مقابلا ماليا في حدود 36.1 مليون أورو، منها 13.5 مليون أورو خصصت لدعم قطاع الصيد البحري، وصل هذا الاتفاق إلى نهايته في 27 فبراير 2011، وتم التوصل إلى اتفاق جديد خلال شهر فبراير من السنة نفسها، لتمديد سريان هذا البروتوكول لسنة إضافية بالشروط نفسها، واستمر العمل به إلى غاية دجنبر 2011، وانطلاقا من هذا التاريخ، بدأت المشاكل تطفو على السطح، إذ رفض البرلمان الأوروبي المصادقة على البروتوكول، وردت السلطات المغربية، ممثلة في وزارة الفلاحة والصيد البحري، على هذا القرار، بمطالبة الأسطول الأوروبي بمغادرة المياه المغربية.

وبطبيعة الحال، كانت إسبانيا الأكثر تضررا من هذا القرار، إذ أن البواخر الإسبانية تمثل حوالي 90 في المائة من العدد الإجمالي للبواخر الأوروبية التي يخول لها الاتفاق الصيد بالمياه المغربية، لكنها ظلت تضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل تجديد الاتفاقية، كما طالبته، في انتظار التوصل إلى اتفاق، بتعويض أرباب البواخر المتضررة، وأمام إلحاح المسؤولين الإسبان، لاستئناف المفاوضات فورا بشأن ملف الصيد البحري، كشف سعد الدين العثماني، وزير الخارجية المغربي خلال تلك المرحلة، ما قاله المغاربة للإسبان في هذا الملف، وهو أن ((المغرب مبدئيا، غير رافض لاستئناف المفاوضات بشأن الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي، لكننا قلنا للإسبان، أنه من غير المعقول أن نتفاوض ويأتي البرلمان الأوروبي في النهاية للتصويت ضد الاتفاقية المتوصل إليها، وطالبناهم بأن يقوموا بالمفاوضات داخل الاتحاد الأوروبي، ويعملوا على تصفية خلافاتهم الأوروبية الداخلية، لأننا نتفاوض مع الاتحاد الأوروبي وليس مع دولة داخل الاتحاد الأوروبي، علاوة على أن الترويج بأن رفض بروتوكول تجديد اتفاقية الصيد البحري في أواخر عام 2011، كان بسبب الصحراء هو أمر غير صحيح، فرغم وجود برلمانيين أوروبيين يدافعون عن هذه النقطة، لكن هؤلاء وحدهم ليس بإمكانهم إسقاط الاتفاقية، بل كانت هناك دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي لا تستفيد من اتفاقية الصيد البحري التي يمولها الاتحاد، وهي خلافات داخلية، مثلما أن هناك أطرافا أخرى تحس أن مصالحها تتضرر من هذه الاتفاقية وتلجأ إلى إثارة قضايا البيئة، بمعنى أن التصويت ضد البروتوكول لم يكن بسبب الصحراء وحدها)) (المصدر:، كتاب “الجوار الحذر”).

بعد ذلك، طالب المغرب المفوضية الأوروبية، بفتح قنوات للتواصل مع البرلمان الأوروبي، وهي الإشارة التي التقطتها إسبانيا، وأطلق ميغيل أرياس كنيتي، وزير الفلاحة والتغذية والبيئة الإسباني ومعه عدد من البرلمانيين، حملة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، وبمساعدة الجمعيات المهنية المهتمة بالصيد البحري، من أجل التواصل مع باقي البرلمانيين الأوروبيين داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، حتى يتم تمرير الاتفاق وتعود البواخر الإسبانية إلى الصيد في المياه المغربية، مثلما واصل الاتحاد الأوروبي التفاوض مع المغرب من أجل التوصل إلى صيغة توافقية حول اتفاق جديد، واستمرت المفاوضات خمس جولات دون التوصل إلى أرضية مشتركة، وفي كل جلسة مفاوضات، كان يتم تذليل بعض الصعوبات بسبب تشدد الاتحاد في ملفات تمس السيادة المغربية، وتحديدا ملف الصحراء، حيث لم يقبل المغرب بأن تشمل الاتفاقية إشارة إلى حقوق الإنسان في منطقة الصحراء، وظلت الأمور على هذه الشاكلة إلى حين الجولة السادسة، التي عقدت بالرباط وتم التوصل خلالها إلى اتفاق وقعه من الجانب المغربي، عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، ومن الجانب الأوروبي، ماريا دامانكي، المفوضة الأوربية في الصيد البحري، يوم 24 يوليوز 2013، وجاء ذلك بعد الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني خوان كارلوس إلى المغرب، مرفوقا بعدد مهم من الوزراء الإسبان للدفع بالتعاون الاقتصادي بين البلدين، وكانت تلك هدية من المغرب إلى إسبانيا وإشارة ودية تجاه الملك الإسباني.

شمل البروتوكول خمس مجالات للصيد، وسمت بالتراجع مقارنة مع البروتوكول السابق، الذي كان يفتح السواحل المغربية أمام 137 باخرة بينما لا يسمح الاتفاق الجديد إلا بـ 126، وحددت القيمة المالية السنوية للبروتوكول في المجمل، بـ 40 مليون أورو، سيتم تخصيص 14 مليون منها لمواصلة تنفيذ مخطط “أليوتيس”، لأجل تمكين المغرب من تطوير قطاع الصيد، ومراعاة إحداث تنمية مستديمة، وأبدى وزير الفلاحة والصيد البحري المغربي، ترحيبه ببلوغ مرحلة التفاهم مع الجانب الأوروبي، بعد طول مباحثات، وقال: ((إن البروتوكول الذي ينتظر الضوء الأخضر من البرلمان الأوروبي، يشكل حلقة من حلقات التعاون المثمر بين المغرب والاتحاد الأوروبي)).

صادق البرلمان الأوروبي بالإيجاب، في جلسة عامة، يوم 10 دجنبر 2013، بستراسبورغ، على البروتوكول الجديد لاتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي والمجمد منذ أكثر من عامين بسبب خلافات بين المغرب والاتحاد حول وضعية المياه الإقليمية المواجهة للصحراء، واعتبر المغرب الاتفاق انتصارا كبيرا له وهزيمة لأنصار جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر وخصومه الذين حاولوا استثناء المياه المقابلة للصحراء من الاتفاقية، رغم حرص الأوروبيين على التنصيص، بالاتفاقية، على تخصيص جزء من عائدات الصيد لهذه المناطق وربطها بحقوق الإنسان، وحصل الاتفاق على أصوات 310 من أعضاء البرلمان الأوروبي ورفضه 204 برلمانيا وامتنع عن التصويت 49، لينهي بذلك أشواطا صعبة من المفاوضات دامت سنتين على ست جولات من النقاش.

ورغم التصويت على بروتوكول اتفاقية الصيد البحري من طرف البرلمان الأوروبي، إلا أن مصادقة البرلمان المغربي على الاتفاقية عرفت تأخرا لعدة أشهر، وكانت لأسباب سياسية، حتى لا يرمي بهذه الورقة من يديه نهائيا، وهو ما دفع المتحدثة باسم شؤون الصيد والنقل البحري في الاتحاد الأوروبي، هيلين بانر، للتصريح بأنه ((مع وقف الدخول إلى مناطق الصيد منذ سنة 2011، حان الوقت ليقوم المغرب كذلك بالمصادقة على الاتفاق))، وأضافت: ((نتطلع إلى استكمال المغرب لعملية المصادقة بالسرعة الممكنة)).

وعشية زيارة الملك الإسباني الجديد فيليبي السادس وعقيلته للمغرب يوم 14 يوليوز 2014، وقع الملك محمد السادس على اتفاقية الصيد البحري، لتدخل حيز التنفيذ ويعلن عن كونها هدية للعاهل الإسباني بمناسبة أول زيارة يقوم بها للمغرب كأول بلد من خارج المنظومة الأوروبية، ولم تستطع السفن الإسبانية العودة إلى الصيد إلا يوم 15 شتنبر 2014، بعدما ثار الكثير من اللغط، وبدا أن المغرب يستعمل هذه الورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي وإسبانيا في ملفات أخرى.

الملك محمد السادس في استقبال الملك الإسباني فيليبي السادس وعقيلته
هل يخرج المغرب بمكاسب جديدة من هذه الأزمة ؟

لم تهدأ الأمور إلا لمدة سنة حتى بدأ نزاع جديد، عندما لجأت جبهة البوليساريو إلى محاولات تعطيل الاتفاقية عن طريق اللجوء إلى المحكمة الأوروبية، وقتها رد المغرب عليه في فبراير 2016، بإعلان تعليق علاقاته مع الاتحاد، مما أدى إلى إرجاء عديد من الاجتماعات التقنية وإلى تباطؤ وتيرة المفاوضات بشأن اتفاق التبادل الحر الشامل، وفي 16 يوليوز 2018، اعتمد مجلس وزراء الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، تعديلات على البروتوكولات المتعلقة بالمنتجات الزراعية والملحقة باتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وقد هدفت التعديلات إلى توسيع نطاق تطبيق هذا الاتفاق ليشمل الصحراء المغربية، بعد ذلك بأربعة أيام، سيعاد التوقيع على الاتفاقية بين الطرفين.

في الوقت نفسه، وبموجب هذا الاتفاق في مجال الصيد البحري، أتيح للسفن الأوروبية الصيد في منطقة الصيد البحري بالمغرب، وتحصلت الرباط مقابل ذلك: في العام الأول، على 48.1 مليون أورو (53.9 مليون دولار)، ثم 50.4 مليون أورو (56.5 مليون دولار)، في العام الثاني، و55.1 مليون أورو (61.76 مليون دولار) في العامين الثالث والرابع.

وبذلك هدأت الأوضاع بخصوص هذا الملف إلى اليوم، ليبدأ فصل جديد عندما حكمت المحكمة الأوروبية ابتدائيا، مؤخرا، ببطلان الاتفاقية، وقد لاحظ العارفون بهذا المجال، أن القرار الجديد للمحكمة الأوروبية خالف ما قضت به محكمة العدل الأوروبية سنة 2018، حين رفضت طعن البوليساريو، لكونها جهة تفتقد الصفة القانونية، ومن شأن هذا القرار الجديد أن يناور به سياسيا من جانب الخصوم قبل مناقشات مجلس الأمن الدولي لملف الصحراء أواخر شهر أكتوبر الجاري.

قبل انتهاء شهر أكتوبر، من المؤكد أن تكون الحكومة المغربية قد تشكلت، وعلى رأسها عزيز أخنوش، الذي شغل منصب وزير الفلاحة والصيد البحري منذ سنة 2007، وعاصر مختلف الأزمات التي طبعت هذا الملف، وأصبح عارفا به ومطلعا على خباياه، ولا شك أنه من الممكن أن تكون هناك مقاربة جديدة في هذا الموضوع، ومن الجانب الآخر، هناك إسبانيا، المتضرر الأول من هذا الحكم الابتدائي، والساعية إلى ترميم علاقاتها مع المغرب، ولا شك أنها ستدافع عن المغرب أكثر من المغرب نفسه.. فهل سينتهي هذا المسلسل، أم سيستمر الاتحاد الأوروبي في استفزاز المغرب؟ وهل يلجأ المغرب إلى استئناف الحكم، أم ستكون له مقاربة جديدة ؟

المصدر : الأسبوع الصحفي

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

%d مدونون معجبون بهذه: