من التطرف والإرهاب إلى “المُصالحة”.. مُعتقلون سابقون يكشفون تجربتهم لـ”الأيام 24″

21 مايو 2022 - 10:35 ص

“كُنت في ريعان شبابي آنذاك، حيثُ كُنتُ مُؤمنا بالعقائد المتبنية لمشروع الدولة الإسلامية والخطاب الديني الذي ينشد العدالة الاجتماعية وما إلى ذلك، قبل أن أدرك أنني كنت أعيش السراب والأحلام، ذلك لأن تلك المشاريع كانت مبنية على غير أسس، وكانت تأويلاتها مغلوطة” هكذا انطلق عبد الله اليوسفي، مُعتقل سابق في ملف التيار الجهادي، في التعبير عن ندمه مما كان عليه.

ندم اليوسفي، أتى بعد اعتقاله سنة 2014 في تونس، وترحيله إلى المغرب، وبعد شُهور طويلة قضاها خلف القُضبان، في مرحلة يصفها بتوقف مع النفس، ومراجعتها ومحاسبتها، وكذا تعديل كافة أخطاء الماضي؛ هذه الأخطاء التي كلّفته ثلاثة سنوات سجنا، قبل مُعانقته الحرية.

وعن هذه المرحلة يقول المُعتقل السابق، في حديثه للأيام 24، “مرحلة السجن لم تكن بالنسبة لي سلب للحرية، بل كانت فترة توقف مع النفس، والاستفادة من الماضي الذي عشته بكافة أفكاره، ومما ساعدني في ذلك أكثر، استفادتي من برنامج “مصالحة” التي أعتبره فرصة العمر، إذ نقلني من مرحلة إلى أخرى”.

 

“في تونس حيث اعتقلت بداية، لم يكن يُسمح لنا بقلم ولا بورقة، لكن هنا في المغرب كنت أغرق في المكتبة، فأنسى الوقت وأنسى أنني مسجون، وأتيحت لي فرصة استئناف الدراسة والحصول على شهادة في الإعلاميات، فضلا عن المُشاركة في عدد من الفعاليات الدينية والثقافية” يضيف المُعتقل السابق مردفا “تكونتُ معرفيا إلى درجة اقتناعي أنني لن أقتنع أبدا بأي فكر متشدد”.

 

على غرار اليوسفي، مُعتقلين كُثر على خلفية قضايا التطرف والإرهاب يُناهز عددهم الحالي 840 شخصا، بينهم معتقلتين اثنتين فقط، يستفيدون طواعية من برنامج “مُصالحة” تحت إشراف المندوبية العامة لإدارة السجون، بشراكة مع عدد من المؤسسات الوطنية، بما تشمل وزارة الأوقاف، والرابطة المحمدية للعلماء، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الأعلى للقضاء والنيابة العامة، ومؤسسات أخرى، بالإضافة إلى خبراء متخصصين في المجال، من أجل تأهيل السجناء، لفُرصة إدماج ثانية داخل المُجتمع.

 

من الإعدام إلى مُعانقة الحرية

محمد دمير، معتقل سابق ومستفيد من برنامج مصالحة في نسخته الأولى، أمضى داخل السجن خمسة عشر سنة، وثلاثة عشر يوما، كانت بحسب تعبيره “مُثمرة، وكأنها مصفاة لمجموعة من الأمور، عادت علي بالنجاح والبركات”؛ هذه السنوات حصل فيها على ثلاث شهادات إجازة مُختلفة من بينها واحدة في علم النفس، وأخرى في القانون الدولي باللغة الفرنسية.


“بعد خروجي من السجن التحقت بالرابطة المحمدية للعلماء من أجل دورة تكوينية كانت هادفة، وبعدها أصبحت أشتغل معهم في وحدات تفكيك الخطاب” يتحدث دمير عن وضعه الحالي بنظرات تشع بالأمل، أما عن الماضي فيقول “أكيد إنني كإنسان نادم وقلق على مجموعة من القرارات السابقة التي لم تكن صائبة، إذ كان الأمر مرتبطا أساسا بقلة العلم وقلة التجربة”.

السنوات الطويلة التي قضاها دمير داخل السجن، لم تكن بالسهلة، بالرغم من كلمات الأمل التي يُطعم بها حديثه للأيام 24، إذ بدأت بحُكم الإعدام، حيث يقول إنه كان ينتظر تطبيقه كل ليلة، خاصة بعد أحداث 16 ماي 2003 بمدينة الدار البيضاء، التي كشف وقعها الثقيل عليه، خلال حديث إعلامي سابق، بالرغم من كونه مُعتقلا آنذاك، غير أنه بعد سنوات من ذلك تم خفض عقوبته عام 2011 إلى 30 عاما سجنا، ثم أفرج عنه في 2017 بعد مشاركته في أولى دورات برنامج “مصالحة”.

 

“رسالتي لكافة من لا يزال مُعتنقا للفكر المتطرف، هي الالتزام بطلب العلم الشريف في عمقه المقاصدي، وتزكية النفس حتى لا يقع في شراك الشيطان، لأنها أفكار خاطئة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالعلم نور والجهل عار” هكذا يختم دمير حديثه مع الأيام24، من داخل السجن المحلي سلا 2، على هامش لقاء تواصلي حول استراتيجية تدبير ملف المعتقلين بالمؤسسات السجنية على خلفية قضايا التطرف والإرهاب، من تنظيم المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، أمس الجمعة 20 ماي الجاري.

وفي هذا السياق، يقول مولاي إدريس أكلمام، مدير العمل الاجتماعي والثقافي لفائدة السجناء وإعادة إدماجهم بالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، إن “اليوم هو مناسبة لعرض تجربة عشرين سنة بكافة تفاصيلها، خاصة على مستوى بُعدها الأمني الوقائي الاستباقي، المُندرج في سياق الخطة الوطنية المندمجة متعددة الأبعاد في مكافحة الإرهاب، والبعد الحقوقي المُندرج في الالتزام بالإرادة السياسية في تعزيز وتقوية دولة الحق والقانون، وما أتت به المواثيق الدولية باحترام حقوق السجناء والحفاظ على كرامتهم”

“ثم البعد التأهيلي، أي البعد الاجتماعي للعقوبة السالبة للحرية، من خلال تمكين السجناء من آليات من أجل تغيير مسار حياتهم، والتشبع بالفكر المعتدل وقبول الاختلاف، وغيرها من القيم التي تساعد في التعايش داخل المجتمع في احترام تام للقوانين التي تنظم علاقاته” يضيف مولاي إدريس أكلمام، في حديثه للأيام 24.

من مُعتقل إلى دُكتور

“كُنت طالبا جامعيا حين تم اعتقالي، وبمجرد دخولي إلى السجن توجهت إلى المشرف الاجتماعي، وقدمت وثائق تسجيلي في الجامعة، فتم تقديم يد المُساعدة لي من أجل إتمام دراستي بكل يُسر” يتحدث مهدي بوكيو، الشاب الثلاثيني الذي أمضى إلى حدود الآن خمسة سنوات وثلاثة أشهر داخل السجن، ولم تعُد تفصله عن الحرية، إلا شهرا واحدا؛ بعد استفادته من العفو الملكي بمناسبة عيد الفطر، بتخفيض العقوبة بمدة ثمانية أشهر.

 

استفاد بوكيو، على غرار عدد من مُعتقلي قضايا التطرف والإرهاب، من برنامج مصالحة، إذ يقول “عبرت بقناعة شخصية عن رغبتي في المُشاركة ببرنامج مصالحة في نُسخته الثامنة، أثناء فترة اعتقالي، حيث يجب على أي حامل للفكر المُتجمد أن يُراجع نفسه، لأن الفضاء السجني هو فرصة للتصالح مع الذات أولا”.

“هذا البلد هو لنا، حفظه الله بالأمان والسلم، فلا ينبغي تشويهه، وعلى أي حامل للفكر المتشدد أن يتوجه إلى المجلس العلمي المحلي المُتواجد في ربوع المغرب من أجل نيل المعلومات من منهلها الصحيح” يضيف بوكيو، الحاصل على شهادة الدكتوراه بعنوان: “المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في المغرب، المجلس الوطني لحقوق الإنسان نموذجا” كمجهود مشترك بين جامعة محمد الخامس والمندوبية العامة لإدارة السجون.

مُصالحة

بحسب المصطفى الرزرازي، رئيس المرصد المغربي حول التطرف والعنف، إن برنامج مصالحة “يشمل الجانب الفكري والديني والقانوني والحقوقي والنفسي من أجل تأهيل الأشخاص ضمن مقاربة سوسيو اقتصادية، من أجل تقديم فرصة ثانية لهم، خلال إتمام مدة العقوبة وخروجهم للمجتمع من جديد”.

“البرنامج كذلك يتطابق مع التوجيهات الملكية، خلال افتتاح السنة القضائية 2003، ويؤكد على أن سلب الحرية لا تعني أبدا سلب المواطنة، بما يعني أن هذا السجين سيُغادر يوما ما السجن، وبالتالي فإنه على مستوى الكُلفة الاجتماعية والمالية، فيُستحسن تجهيزه لفُرصة ثانية في الحياة، كي لا نجد أنفسنا أمام أشخاص بإمكانهم تكرار الخطأ” يقول الرزرازي في حديثه للأيام 24.

ويؤكد المتحدث ذاته، أن “برنامج مصالحة يتكيف سنويا مع طبيعة الشريحة المستفيدة، ومع طبيعة التهديدات والخطابات والتنظيمات المتواجدة، فيتجاوز بذلك الممارسات الفُضلى التي أقرتها مذكرة روما، والتي أصدرها المنتدى العالمي لمُكافحة الإرهاب، وربما يمكننا القول إن هذا البرنامج يُعتبر اليوم نموذجا عالميا، بكل المقاييس”.

“غطى ما يُناهز 25 في المائة من الساكنة السجنية المُتابعة في قضايا التطرف والإرهاب، وتكاد تكون حالة العود منعدمة، إذ هناك فقط حالة وحيدة في قضايا الحق العام وليست في قضايا الإرهاب، وهذا جانب جد مهم، لأنه في دول أخرى يستحيل أن لا تجد حالات عود في الإرهاب” يؤكد رئيس المرصد المغربي حول التطرف والعنف.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب