هذيانات سينمائية في زمن “كورونا”

15 مايو 2020 - 11:46 ص
تأجيل الدورة الـ53 (12 ـ 23 مايو/ أيار 2020) لمهرجان “كانّ” السينمائي إلى العام المقبل إصابة كبيرة للسينما، وللعاملين فيها، ولمحبّيها. الضرر كبير أيضاً. هناك سوقٌ ربما تعثر على منفذٍ افتراضي لتنظيم اشتغالاتها هذا العام. لكن العروض متوقّفة، كتوقّف جوانب أخرى مختلفة ومهمّة. التعطيل يُصيب مرافق الحياة اليومية، ويمنع التواصل السنوي المعتاد، ويحول دون متعٍ واستفادة. متابعو المهرجان منذ سنين يُدركون حجم المصيبة. متابعوه منذ دورات قليلة يستاؤون، فهم يظنّون أنّ البدايات تمهِّد لمسار يرونه حافلاً بالمعرفة والنضج والتسلية. لكن، لـ”كورونا” خطط أخرى غير مكترثة بأحدٍ أو بشيء.

الكارثة حاصلة. انتظار الخلاص طويل. مهرجانات، يُفترض بدوراتها الخاصّة بعام 2020 أنْ تُقام في الأشهر المقبلة، غير راغبة في إلغاء أو تأجيل. فهل يُنظَّم جديدُها قريباً؟ الإصرار واضحٌ. لكنْ، أيُمكن للوقائع أنْ تسهِّل تنفيذ القرار؟ “الحلّ الافتراضي” مُثقلٌ بتساؤلاتٍ عن المُشاهدة والتواصل والنقاش، لكنّه مؤقّت، والخشية كبيرة من أنْ يُصبح المؤقّت دائماً، فالوباء مستمرّ في سيطرته وتطوير أدوات سلطته، بينما الصراعات المختلفة تحول دون اختراع ما يقضي عليه، حالياً على الأقلّ. المعركة حادّة، لكن السينما عاجزةٌ، الآن هنا، عن انتصارٍ ربما يحدث لاحقاً، فالحياة أقوى وأعْنَد، وكذلك السينما.

رغم هذا، المشهد قاتم: تخبّط بسببٍ وباء فتّاك، واضطراب بسبب كثرة المخاطر، وغضب من تعطيلٍ مديدٍ بسبب رغبة (معطوبة فعلياً) في استمرارٍ (ممنوع حالياً). المشهد سريالي: خنزير يتجوّل على شاطئ “كروازيت”. المشهد مخيف: باحات كبيرة في “قصر المؤتمرات” في مدينة “كانّ” مفتوحة لمن لا مأوى لهم، و”كورونا” يُطاردهم كمطاردته الجميع. المشهد حزين: شاشات محطَّمة لعجزِ عتمتها عن إضاءة العالم. مقاهٍ مغلقة. حانات فارغة. شقق مقفلة. باصات تنتظر. مطاعم تلوّح لعابرٍ في خيال. عجائز لن ينزعجوا من غرباء يُثيرون ضجيجاً في هدوء أمكنتهم الطيّبة.

في 23 مايو/ أيار 2020، يُفترض بلجنة تحكيم الأميركي سبايك لي إعلان جوائز المسابقة الرسمية.
لنتخيّل مشهداً كالتالي: يقف سبايك لي على خشبة “صالة لوميير” أمام مقاعد فارغة، تحمل صُوراً غير منسية لصانعي سحر الصُوَر. صمتٌ، ولا شيء غير الصمت. وحده “كورونا” يمشي على السجادة الحمراء من دون مُصوّرين وجماهير. يصعد الدرجات القليلة قبل وصوله إلى الصالة، وحيداً في كبريائه الملعونة. لكنّه لن يجرؤ على فتح الباب. سيكتفي بالتلصّص فقط. سيرتبك لتلصّصه على سبايك لي وهو يُعلن اسم الفائز بـ”السعفة الذهبية”. سيسمع وحيداً معنى التصفيق الحارّ. سيُمعن النظر في الصالة الفارغة للتعرّف على الفائز. سيُدهش عند رؤيته توتو (سينما باراديزو) يقف بين خيالاتٍ أجمل من أنْ تكون حقيقية، ويمشي حاملاً ملايين الأشرطة في قلبه وروحه، وينظر إلى شاشة “مُعتِمة” بألف حكاية وابتسامة ودمعة، قبل أن يُدير رأسه صوب الوباء، مُبتسماً كألف وردة، وناظراً بعينين مليئتين بعشقٍ ولوعة، وساخراً من موتٍ يُدرك الصبيّ أنّه (الموت) سينحني بهدوء منسحباً من صالة لن تكون مرتعه أبداً. سيُفاجَأ “كورونا” بالمشهد. سينتبه إلى عجزه عن استكمال مشروعه. سيُدرك أنّ في الصبيّ مليون حياة، وأنّ في الأشرطة مليون خلاص، وأنّ في فراغ الصالة وعتمتها أجمل نواة لأصعب حياة. سيتسلم الصبي الجائزة من سبايك لي. سيقف إلى جانبه ناظراً إلى فراغٍ يمتلئ بهدوء. لن يتفوّه الصبيّ بكلامٍ. لن تتبدّل ملامح العينين والابتسامة. سيُدرك “كورونا” أن التلصّص ممنوعٌ عليه الآن، وإنْ يكن التلصّص لعباقرة الابتكار، وهو أحدهم، وعبقريته كامنةٌ في فرضه على أناسٍ اشتغالات شتّى لابتكارات جديدة تخصّ عيشاً مختلفاً. سيتسلّل إلى خارجٍ مفتوحٍ على ألف احتمال وخيبة وعناد، كتسلّله إلى داخل يُحطِّم فيه كلّ شيء.

… وبيروت مقفلة. 4 أيام (14 ـ 17 مايو/ أيار 2020) عصيبة ستشهدها مدينةٌ قابعةٌ على شاطئ غير مرئيّ لها منذ ما قبل الوباء. الخنزير لن يمرّ في شوارعها، فشوارعها غير فارغةٍ. لا صالة مؤتمرات فيها. باحاتها الكبيرة لن تستقبل من لا مأوى لهم، فالبلد برمّته ليس مأوى لملايين أبنائه. صالاتها مقفلة لأنّ شرّاً ـ غير ذاك البديع الذي تصنعه السينما ـ يفتك بها منذ أزمنة. “كورونا” لاحقٌ على أوبئة أعنف وأشرس. يُخيّل إليّ أنّ “كورونا” يُطأطئ رأسه خجلاً من لبنانيين أمام شراسة وباء النهب والفساد والقتل والقذارة، التي تصنع حُكماً في البلد. أو أمام غباء ولامبالاة وتجاهل وتذاكٍ يتمتّع بها لبنانيون كثيرون آخرون. يُخيّل إليّ أنّ “كورونا” يدخل صالة معتمة في بيروت، الآن هنا، كي يبكي ندماً على بشاعة سطوته، فأوبئة كثيرة تنهش أرواحاً وأفئدة وأحلاماً وآمالاً ورغباتٍ، لأنّ قلّة تتحكّم غير آبهةٍ ببشريّ ملعونٍ كأي بشريّ يعيش في بلدٍ كهذا، ومعظم الملعونين مرتاحون للعنة كهذه.
“النهاية”؟ ينقرض هذا التعبير في ختام الأفلام، العربية والأجنبية، منذ زمن بعيد. الـ”جينيريك” الأخير غير معنيّ به منذ أجيال. يبدو أنّ الحياة أيضاً غير متمكّنةٍ من الاحتفاظ بتقليد كهذا، فالنهايات أسرع من أنْ تُكتب في ختام مشهد. النهاية حتمية إذاً، لكن السؤال معلّقٌ من دون إجابة: من/ ما المنتهي أولاً؟

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
%d مدونون معجبون بهذه: